الأربعاء، 21 فبراير 2018

رحلة المتنبي.. من مصر إلى العراق - احمد رمزي بيك


تعد رحلة أبي الطيب المتنبي من مصر إلى الكوفة من أروع الرحلات في القرن الرابع الهجري نظرا لما تضمنته من أسماء البلاد والمواقع. وقد كان أبو الطيب حريصا في شعره على أن يسجل الكثير مما رآه في هذه الرحلة، فقرن الأسماء بخياله الشعري، ووصل إلى درجة رائعة في القصيدة التي وضعها حينما دخل الكوفة والتي جاء فيها:
فلما أنخنا ركزنا الرماح ... فوق مكارمنا والعلى
وبتنا نقبل أسيافنا ... ونمسحها من دماء العدى
لتعلم مصر ومن بالعراق ... ومن بالعواصم أني الفتى
وهي أبيات قرأت ترجمتها بالفرنسية شعرا فوجدتها لم تفقد من قوة المتنبي شيئا، بل ظهرت شاعريته بلسان الفرنسيين.
ولقد خرج أبو الطيب ليلة عيد النحر بعد أن تظاهر بالاستعداد للتضحية وكان قد اختار لنفسه أن يعلن عن عزمه بقصيدة مدح لزعيم من زعماء قيس النازلة في تلك الأيام بجوار بلبيس، وبالاطلاع على ديوانه نقرأ هذه القصيدة ونعلم شيئين:
الأول: كيف انتشرت قيس في إقليم الحوف الشرقي وكيف كانت لها السيادة في إقليم الشرقية.
والمتتبع لتاريخ عروبة مصر يجد أن قبائل لخم وجذام وعاملة وذبيان لها منازل في الأراضي المصرية. ويرى كيف جاء بنو جزى وهم بطن من جزام، وبنو راشدة وهم بطن من لخم، وكيف انحدروا إلى أماكن عرفت بهم بين العريش ومصر، وكيف نزل من نزل منهم بالجزائر من أرض الحوف وهي الرمال البيضاء التي لم تكن تغمرها مياه الفيضان، وكيف هبط قوم منهم بالمناطق بين صان الحجر والزنكلوم وهي التي يطلق عليها اليوم (الزنكلون) فهذه المناطق أصلية في عروبتها، ثابتة في أرومتها؛ فإذا ذكر أبو الطيب قيس عيلان في بلبيس فهو يقصد بمديحه أن يلفت أنظار كافور إلى أن طريقه سيكون إلى الشمال مارا بمنازل عرب الحوف، فيأخذ كافور عليه الطرق والمسالك، ويقيم عليه الحرس ينقلون من أخباره.
ولكن أبا الطيب كان قد اختار طريقا آخر؛ فبدلا من أن يرحل إلى الدلتا نجد أنه قد أخفى السلاح وروايا الماء في الرمال، وركب أسرع الهجن البيجاوية، وهبط من الفسطاط جنوبا إلى خليج السويس ثم اتجه من هناك إلى الجنوب مبتعدا عن طريق الحاج، فوجد أمامه واديا يسميه المعاصرون (وادي سدر) واسمه الصحيح (وادي الصدر) فإذا قطعه اتخذ سبيله إلى قلعة (نخل) القائمة للآن في شبه جزيرة سيناء، قطع هذا على ظهور الهجن في مرحلة واحدة لا تتعدى يومين.
فبينما كافور يستعد للاحتفال بعيد الأضحى، إذا به يفاجأ بهرب المتنبي، فيقيم الدنيا ويقعدها ويسأل الدلاة وقاصي الأثر، فلا جواب لديهم.


عن الهجن البيجاوية
وكان كافور يحكم مصر ويحكم الجزء الجنوبي من بلاد الشام ويسيطر على طرق المواصلات في سيناء، وله الحراس في كل مكان والعيون تنقل إليه أخبار الناس، فكيف فرّ أبو الطيب من قبضته؟ إن هذه الرحلة جديرة بالبحث وقد حاولت منذ سنتين أن أعرف مكان (نجع الطير) وهو نصف المرحلة الأولى من رحلته. ورجعت إلى كافة المراجع التي بين أيدينا فلم أوفق، وتتبعت هجرة بني إسرائيل من مصر لعلي أجد فيها ما يقنعني بتحقيق بعض الأسماء الواردة بين مصر وبلدة نخل في وسط سيناء، ومع صبري وتحملي الطويل لم يسعفني كل ذلك لنتيجة حاسمة ترضي رغبتي.
ويصف أبو الطيب هذه الفترة من حياته بقوله عن الهجن البيجاوية:
ضربت بها التيه ضرب القمار ... إما لهذا وإما لذا
فمرت بنخل وفي ركبها ... عن العالمين وعنه غنى
ولهذه القصيدة - كما قلت - رنين موسيقي واعتداد بالنفس وسرور بالتغلب على مصاعب الأرض ومتاعب الطبيعة لا يمكن أن ينسى
أرددها ثم أنظر توارد الخواطر بين أبي الطيب ويوليوس قيصر في الشطر الأول: فهو يشبه أقدامه في قطع الفيافي في هذه السرعة في قوله:
ضربت بها التيه ضرب القمار: والتيه هو أرض سيناء، والقمار هو مجازفة أمام الحياة الحرة وأمام الوقوع بين براثن كافور ومعناه الموت وضياع الأماني.
ويذكرني هذا المعنى بما أورده يوليوس قيصر في كتابه عن حروب روما في بلاد الغاليين، حينما اشتبك في قتال معهم إذ قال إنه ألقى بآماله بين يدي الأقدار كما يلقي المقامر بالزهر بين يديه، فذهب قوله في اللاتينية مذهب الأمثال. فهل أطلع أبو الطيب على هذا؟ أو نقل إليه حديث قيصر؟ أو هو مجرد توارد خواطر
ومن المدهش أن قيام إسرائيل بين مصر والبلاد العربية قد أثار طائفة من المشاكل: أولها - كيف الوصول إلى فلسطين وأراضي الشام والحجاز؟
ولقد رأينا طول الحروب الصليبية بعض هذه المشاكل، وبعد المتنبي بقرنين من الزمن وثلاث وثلاثين سنة رأى صلاح الدين نفسه في الوقت الذي وقفه المتنبي.. كيف يصل إلى أرض الشام والصليبيون يقطعون الطريق ويحولون دون وصوله؟ لقد كان أبو الطيب يخشى كافورا وعيونه وحراسه، وكان صلاح الدين يخشى الإفرنج ومعاقلهم وحصونهم.
والغريب أن صلاح الدين اختار أربعمائة من أشجع فرسان الأسدية من التركمان والأكراد وخيم في شمال القاهرة في بركة الحاج حيث تقوم الآن بلدة المرج.. واتجه إلى بلبيس، كما كتب أبو الطيب إلى زعيم بلبيس، فلفت الأنظار إلى حركته في الشمال، ثم في ليلة واحدة قطع المرحلة من بلبيس إلى عجرود ونزل جنوبا بعيدا عن طريق الحاج واخترق وادي الصدر الذي أشرت إليه وعرف كيف يسلك (إلى نخل) ولم يكن صلاح الدين فارا فرار المتنبي.. ولذلك تنبه للمواقع فأنشأ على الرابية التي تطل على وادي سدر (الصدر) قلعة لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم، وربط الطرق والمسالك بسلسلة من المعاقل اتقاء هجمات الإفرنج وتسللهم إلى هذه المناطق الحساسة من البلاد العربية.
ألا ترى أن رحلة أبى الطيب لم تكن من الأمور التي تسير على غير هدى، بل كانت موضع درس وعناية، فلا تندهش إذن حينما تقرأ في خزانة الأدب للبغدادي صفحة 145 جزء ثان عن المتنبي لما كان في ضيافة عضد الدولة (وكان أبو جعفر وزير بهاء الدولة مأمورا بالاختلاف إلى المتنبي وحفظ المنازل والمناهل من مصر إلى الكوفة وتعرفها منه فقال: كنت حاضره وكان ابنه يلتمس أجرة الغسال فأخذ المتنبي إليه النظر بتحديق فقال: ما للصعلوك والغسال؟ يحتاج الصعلوك إلى أن يعمل بيده ثلاثة أشياء: يطبخ قدرة وينعل فرسه ويغسل ثيابه، ثم ملأ يده قطيعات بلغت درهمين أو ثلاثة)
ويحدثنا الديوان بأن أبا جعفر أخذ شهرا من الزمن يحادث المتنبي في الطرق والمسالك ليأخذ عنه كيف خرج من الفسطاط وكيف وصل الكوفة في ربيع الأول سنة 531


البادية ومقت الطغيان
وبينما أقلب كتاباً عن المتنبي بالفرنسية علمت أن مستشرقاً ألمانياً كرس جزءاً من حياته لدراسة رحلة المتنبي، وأنا الذي اقتطعت القليل من وقتي لكي أتعرف على بعض هذه الرحلة أجد غيري سبقني إليها فلم أقنط وقلت: قبل اطلاعي على ما كتب فلأخرجها كما تشاء نفسي:
وأمست تخيرنا بالنقاب ... وادي المياه ووادي القرى
وكنت إذا يممت أرضا بعيدة ... سريت فكنت السر والليل كاتمه
شعوران قد تملكا قلب أبي الطيب في رحلته، وأعترف بأني أشاركه فيهما: شغفه بالبادية والتغني بمحاسنها ولياليها، ومقته للظلم والطغيان، فهو لا يذكر أيامه بمصر إلا مقرونة بالألم والحسرة، ولا يمر بعقبة أو يخرج من أمر مدلهم، إلا عد ذلك نصرا على كافور وظلمه وطغيانه، ولا يترك مناسبة دون التغني بالبادية.
إنك لا تشعر بشعور أبي الطيب إلا إذا عشت بالبادية، ورأيت سماء الصحراء المقمرة أو لياليها التي تسطع فيها النجوم. إنني أذكر ليلة مقمرة في وسط الصحراء كدت أقرأ فيها على ضوء القمر صفحة من كتاب. ولقد تركت هذه الرحلة برغم مصاعبها أكبر الأثر في نفس أبي الطيب، حتى أنه بعد مضي أكثر من سنتين تقرأ له في قصيدة وضعها سنة 352 هـ أبياتا تشعرنا بحنينه الذي ملأ قلبه وقت السفر إذا قال يذكر مسيره من مصر ويرثي أبا شجاع فاتكا:
ختام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه على ساق ولا قدم
ولا يحس بأجفان نحس بها ... فقد الرقاد غريب بات لن ينم
وهو مع ما أوتيه من نصر لتغلبه على الصعاب، يذكر حر الشمس في وسط القيظ، طول أيام السفر في الفيافي فيقول:
تسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر واللمم
ثم تجده لا ينسى مدح المطايا التي لولاها لما خرج من مصر بعد ما لقيه من الظلم والعنت فيها:
لا أبغض العيش لكني وقيت بها ... قلبي من الحزن أو جسمي من السقم
فكأنه يسير في تفكيره ليستعيد ما مر به من ألمه وأحزانه وهو الذي سبق له أن قال وهو بالفسطاط:
أقمت بأرض مصر فلا ورائي ... تخ قليل عائدي سقم فؤادي ... كثير حاسدي صعب مرامي
عليل الجسم ممتنع القيام ... شديد السكر من غير المدام
فلا غرابة إذن أن مطلع جبال حسمي قد غمر قلبه، وأن رؤيته لتلك الشعاب قد نفخت فيه روحا جديدة، بعد ما لقي من نصب ومتاعب في رحلته؛ وبعدما تحمل في مصر من ألم نفساني ومرض أضنى جسمه.


لتعلم مصر ومن بالعراق
إن مناظر الجزيرة وجبال حسنى قد ملأت نفسه حبورا وجعلت منه إنسانا آخر. . نرى ذلك في شعره ونحس معه أحاسيس الذي خرج من سجن وانطلق للفضاء. . ولا ننس أن بين حسمي ووادي القرى ليلتان، وبين الأخير والمدينة ست ليال.
ولا يمر هذا الشعور دون أن يعتريه انفعال آخر هو إحساسه بالنصر والغلبة على كافور كيده، وأنه رفض أن يقبل الذل على يديه، فها هو قد ترك دنيا الظلم والظلام، وذلك الوسط الذي قال عنه (كأن الحر بينهم يتيم) وقال فيه عن كافور (غراب حوله رخم وبوم) وهناك انطلق شاعريته في الكوفة فقال في مواجهة الأحداث وليشهد الدنيا على انتصاره.
لتعلم مصر ومن بالعراق ... ومن بالعواصم أني الفتى
وأني وفيت وأني أبيت ... وأني عتي على من عتا
وما كل من قال قولا وفى ... وما كل من سيم خسفا أبى
وهو شعر يبلغ فيه النهاية ويترنم به من كان مثلي قد عانى الشدة وألم الاضطهاد ووقف أمام الظلم. رحم الله أبا الطيب وطيب ثراه! إني أعد هذه القصيدة قطعة موسيقية من أروع ما أنشد هذا الشاعر العظيم. ولقد كنت ضحية للظلم يوما، وتنكر لي أقرب الناس إلي، وشعرت بشعور أبي الطيب، وأقمت مدة وأنا أترنم بهذه الأبيات، فأشعر بنفسي وقد قويت، وأستمد منها شجاعة وصبرا.. وهكذا يحيا شعر أبي الطيب في نفوس من يفقه أمر المتنبي ومن عاش عيشته ومن انكوى بنوع من الظلم يشبه ما أصاب شاعر العرب العظيم.
وأقسم بالله إني لأتحين الفرص لرؤية حسمي العالية الأطراف والتي قيل إن لا مثيل لها في الدنيا، هذه الجبال الممتدة على خليج العقبة الملساء الجوانب، والتي إذا أراد الناظر أن يمتع نفسه بالنظر إليها وإلى قنة منها، رفع بأبصاره إلى السماء.
إنها أوحت لأبي الطيب بالكثير من شعره عن نفسه، وأعذب الشعر ما تحدث به الشاعر عن أحاسيسه، والمتنبي إعصار هائل من أين أتيت إليه، فهو عظيم في حجمه وجبروته، ولكن هذا الإعصار وسط الأدب العربي، بلغ القمة وجاوز حدود العظمة حينما سجل بشعره آلامه وأحزانه وفرحه وغبطته ويوم انتصاره.
وطابت حسمي لأبي الطيب فنزلها وأقام بها شهراً. أليست مواطن الأفذاذ من قبائل العرب، التي لم تعرف الخنوع ولا الخضوع، والتي على رغم قربها لملك كافور لم تسمح لنفسها أن تقبل ظلمه وجبروته وطغيانه.
جاء في كتاب الهمداني أن أرم وحسمي والبياض هي مساكن من تشاءم من للعرب الأقحاح، وقد سكنت لخم المنازل بين الرملة ومصر (الجفار) وطرق جبال الشراة، أما جذام فكانت تسكن ما بين مدين وتبوك وامتدت أذرح أو أذرع، واحتلت عاملة جبلها المعروف باسمها، من بحيرة طبرية إلى البحر.
وبقيت جبال حسمى بين فزازة وجذام. ولما نزلها أبو الطيب وارتاحت نفسه إليها، لم تتركه دسائس كافور، وهو الذي عمل حسابا له، فتحاشى أقرب الطرق إلى حسمى خوفا من كمين قد يرصده له في طريق نزوله من رأس النقب إلى عقبة إيليا، واضطر أن يسلك طريق الشام أولا ثم ينكفئ من تربان إلى غرندل ثم جنوبا إلى منازل جبال حسمى.


سرقة سيف المتنبي
أقول إن صاحب مصر أبى إلا أن ينغص عيش أبي الطيب وأن يتتبعه إلى الأطراف البعيدة، فكتب إلى رؤساء العرب ووعدهم وواعدهم، وبعد مضي شهر ظهر لأبي الطيب فسادنية عبيده وجاءت الحادثة مع وردان بين ربيعة من قبيلة طيء، وهو الذي سمع بأن لأبي الطيب سيفا مذهبا، فأخذ يلح في أن يريه إياه، وأبو الطيب يحاول التخلص منه، لأنه سيف يعتز به ويحرص عليه، فجعل الطائي يحتال على العبيد الذين في خدمة أبي الطيب ويحرضهم عليه طمعا في الحصول على السيف.
وهنا اكتشف أبو الطيب أن أبا المسك صاحب مصر قد كاتب العرب الذين حوله، ولم يبق هناك مفر من الرحيل، فأرسل من يثق به إلى بني فزاره وبني مازن، وإلى شيخ من ولد هرم بن قطية. ولما أتاه الخبر بقبوله النزول لديه شد ليلا على الإبل وجنب الخيل، وسار تحت كنف الليل على طريقته لما غادر الفسطاط والقوم لا يعلمون برحيله، وكان يقصد تضليلهم إذا حاولوا القبض عليه، كما ضلل من قبل جماعة كافور. ويظهر من تصرفاته أنه كان على علم وإلمام بطرق البادية، مسالك البلاد وأسرارها، بدليل أنه اتخذ السير في طريق البياض وسار فيه ليلا حتى رأس الصوان، وهذا الدرب خطير يحتاج فيه الراحل إلى الخفارة لتعذر الأمان فيه، وهو الطريق الذي يسلكه من يرحل من تيماء ووجهته الكوفة، فيمر يسرة فيما يلي البياض ثم يخترق ديار ذبيان، فمنازل كلب في صحراء السماوة ثم الدهناء، فإذا مر منها واجهه نخل الفرات. وما وصل أبو الطيب إلى رأس الصوان حتى انكفأ عائداً إلى الشمال مرة أخرى، محترسا من أن يقع على كمين إذا سار في الطريق الأول.
وفي صفحة 495 من الديوان (وسار أبو الطيب حتى نظر آثار الخيل ولم يجد مع فليتة خبرا من العرب التي طلبها، فقال له اخرق أو أحرف بنا على بركة الله إلى دومة الجندل؛ وذلك لأنه أشفق أن تكون عليه عيون بحسمى قد علمت أنه يريد البياض، فصار حتى انحدار إلى الكفاف فورد البويرة بعد ثلاث ليال.
ذكر ياقوت أن البويرة موضع بين وادي القرى وبين بسيطة الواقعة في طريق الكوفة
ومن ذلك يتضح أن أبا الطيب أقر في نفسه طريق السفر فجعل: أولا وجهته دومة الجندل
ثانيا تحاشى العودة إلى جبال حسمى.
فكأن انحداره للبياض كان تمويها لأنه اتخذ كعادته طريقا آخر هو طريق الكفاف ثم البويرة.
والخرائط لا تسعف هنا لأن المناطق الواقعة في أراضي المملكة السعودية لم تمسح بعد المساحة التفصيلية، فأبدأ بالكلام على هذه المواقع جاعلا أول الكلام على دومة الجندل ثم بقية الأماكن إلى الكوفة.
إذا فتحت الخرائط وجدت منطقة الجوف تتوسط الصحراء، وهي التي قال عنها صاحب جزيرة العرب كانت تسمى قديما دومة الجندل والجوف هي البلدة الرئيسية تقع وسط منطقة زراعية كبيرة على رأس وادي السرحان والواحة واقعة في منخفض نحو 500 قدم تحت سطح الصحراء المحيطة بها.


أرض التحكيم
وفي هذا المنخفض واحات صغيرة مثل سكاكة وقارة والطوير وجاوة، وسكاكة هي أكبرها وتكثر فيها مزارع النخيل.
ولأهمية موقعها طلب مندوب المملكة الأردنية في مؤتمر الكويت أن تكون حدود نجد كما كانت عام 1919 أي طلب إخلاء الجوف وسكاكة ووداي السرحان من قوات المملكة السعودية فطلب مندوب نجد استفتاء أهالي الجوف ففشل المؤتمر.
وقد برز اسم دومة الجندل في تاريخ الإمام علي كرم الله وجهه ومعاوية، فقد ذكر المسعودي (وفي سنة 38 كان التقاء الحكمين بدومة الجندل، وقيل بغيرها على ما قدمناه وصف التنازع في ذلك) وذكر اسم كتاب له في تفاصيل النزاع ضاع ضمن ما ضاع من مؤلفاته.
ويقول الأستاذ الخضري في تاريخ الأمم الإسلامية:
(فتوافوا (أي الحكمين ومن معهما) بدومة الجندل بأذرح فيكون قد أقر بأن الاجتماع في دومة الجندل التي هي بأرض الشراة. وقد نقل هذا عن ابن خلدون الذي قال: وبعث معاوية عمرو بين العاص في أربعمائة من أهل الشام والتقوا بأذرح من دومة الجندل) صفحة 441
(وكتب الكتاب لثلاث عشرة خلت من صفر سنة 37 واتفقوا على أن يوافي على موضع الحكمين بدومة الجندل وبأذرع في شهر رمضان) 440
وجاء ذكر دومة الجندل في صفحة 216 (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الأولى من السنة الخامسة لستة أشهر من فتح بني قريظة، وذلك إثر رجوعه من دومة الجندل فسلك على طريق الشام أولا ثم أخذ ذات اليسار إلى صخيرات اليمام).
ولذلك اختلف الناس في تحقيق موضع اجتماع الحكمين هل هو في دومة الجندل بالصحراء أم في دومة الجندل بأراضي المملكة الأردنية؟ أي في بلدة أذرح الواقعة في نطاق دومة الجندل التي كان يطلق عليها الصخرية.
إنني أميل إلى الرأي الأخير وإن كنت أدعو أحد المهتمين بتحقيق الدراسات الإسلامية أن يضع بحثا عنها.
وقد جاء في كتاب تاريخ الإسلام السياسي ما يأتي (اجتمع عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري بدومة الجندل وهي بضم الدال وفتحه وتبعد عن دمشق بست مراحل وتقع على الطريق بين دمشق إلى المدينة).
وكان عقد التحكيم مدته من رمضان إلى رمضان وكتب في يوم الأربعاء 13 صفر سنة 37 وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجند المواثيق واتفقا على تأجيل القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا في بلدة أذرح المبينة على الخريطة شمال غرندل وتربان.
وبعث علي للميعاد بأربعمائة رجل ولم يحضر علي، وبعث معاوية بأربعمائة رجل ثم جاء معاوية واجتمعوا في أذرح والتقى الحكمان.
كل هذا يقتضي بأن الاختيار وقع أولا على دومة الجندل التي الجوف لتوسطها بين الطرفين ولكي يحضر المتخاصمان أمام الحكمين؛ ولكن معاوية الحريص على ملكه وحياته اختار الشق الثاني وجعل بلدة أذرع المكان المختار وقد يكون احتج بأنها قائمة بأرض دومة الجندل لأن هذه المنطقة كانت تسمى بأرض أدوم أو دومة من القدم... فقد جاء في قاموس الكتاب المقدس ص 451 أن دومة التي بها أذرح محرفة عن أدوم، وأنها البلاد التي يسكنها نسل دومة هو أدوم بن إسماعيل أو سادس أولاده (نك 25: 14) وأنهم سكنوا في صحراء سورا على بعد 150 أو 200 ميل من دمشق حيث توجد قطعة أرض تعرف باسم دومة الحجرية أو دومة السورية.
وفي كتاب الإمامة والسياسة ج 1 صفحة 136 ما يشير إلى كتاب بين علي ومعاوية اتفقا فيه على أن يرجع أهل العراق إلى العراق وأهل الشام إلى الشام ويكون الاجتماع إلى دومة الجندل (وأظن أنهما يقصدان دومة الجندل بالجوف) فإن رضيا أن يجتمعا بغيرها فلهما ذلك... ثم ذكر في صفحة 138 أن أبا موسى وعمر لما اجتمعا بدومة الجندل كان عقد التحكيم هدنة من رمضان إلى رمضان.


الأدميون وتيماء
وإذا رجعنا إلى اسم أدوم وجدنا أن معناه في قاموس الكتاب المقدس أحمر، وهو لقب عيسو بن أسحق أخذ بلون العدس يوم باع بكوريته إلى أخيه يعقوب وأخذ الأرض الواقعة جنوبي (حبرون) مدينة الخليل إلى جنوب البحر الميت ثم تخوم أرض موآب ثم اتسعت البقعة فشملت الأراضي الواقعة بين برية (سين) وغربيها إلى بلاد العرب الواقعة شرقيها أي شملت منطقة أذرح وما حولها. التي اشتهرت بجودة هوائها، وخصب أراضيها ومناعة حصونها. أما تسميتها بأدوم فأخذا من عيسو الملقب بأدوم (نك 43: 36) والمظنون أن نسله استوطن هناك فأصبح هذا القسم من جنوبي البحر الميت يشمل كل تخوم كنعان الجنوبية من البحر الميت إلى الخليج الشرقي للبحر الأحمر ومن ضمنها جبل سعير وكانت سالع عاصمة القسم الجنوبي وفيها استوطن تيمان بن عيسو (نك 11: 36) فتسمى الجزء الجنوبي تيماء باسمه وكان للأدوميين ملوك يحكمون باسمهم.
ولما جاء حكم الروم أنشؤوا في تخوم العقبة باباً كبيرا ووضعوا عليه شحنة لجبي الضرائب على القوافل القادمة من الجنوب. . . وفي الاصطخرى وابن حوقل تمتد جبال أدوم من الشراة إلى أيلة أي العقبة كما جاء في كتاب فلسطين تحت حكم المسلمين لمؤلفه جوى لوسترانج أن أدوم في مادة الشراة.
أما تحقيق أدوم أو دومة الجندل لدى العرب فقد جاء في صفحة 106 جزء 4 من معجم ياقوت كما يأتي: بضم أوله أو فتحه.
ابن دريد: أنكر الفتح وعده من أغلاط المحدثين
حديث الواقدي: جاء فيه دوما الجندل
ابن الفقيه: عدها من أعمال المدينة: وقال سميت بدون بن إسماعيل بن إبراهيم
الزجاجي: دومان بن إسماعيل وقيل دوما
ابن الكلبي: دوماء بن إسماعيل، ولما كثر ولد إسماعيل بتهامة خرج دوماء حتى نزل دومة وبنى به حصنا فقيل ودماء ونسب الحصن إليه وهي على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم. . . وقال أبو سعيد: دومة الجندل في غائط في الأرض خمسة فراسخ وفيها عين يسقى ما به من النخل والزرع وحصنها مارد، وسميت دومة الجندل لأن حصنها مبني بالجندل) ولا يبعد أو وصفه ينطبق على دومة الجندل بالجوف والحصن على ما بناه الأكيد وهو من فتح خالد بن الوليد. ثم يؤكد أبو عبيد الكوفي أن دومة الجندل قرب جبلي طي ويقصد بذلك واحة الجوف لأنه ذكر بلدة دومة وسكاكة وذو القارة أما دومة ففيها سور يتحصن به وفي داخل السور حصن منيع يقال له مارد وهو حصن أكيدر.
ونعود إلى أرض أدوم أو دومة الجندل الصخرية فنقول إن هذه البقعة كانت عامرة في العصور السابقة وفي عهد الروم أنشئت بها كما قلنا أسقفية في (غرندل) تحريف (أرندل) التي بقيت على الطريق الروماني من العقبة إلى بصرى، وكان يمر بأرض الشوبك وعليه حصن الكرك المشهور في الحروب الصليبية، وكان عامرة في عهودها الإسلامية بدليل سكنى الخلائف من قرش وبني هاشم، وأن الدعوة العباسية قامت من بلدة الحميمة حين مات بها إبراهيم الإمام.
وبعد هذا التحقيق والبحث كنت أقلب الجزء الأول من العقد الفريد تحقيق العلامة الدكتور أحمد أمين فوقع نظري في الصفحة 264 سطر 13
(وأوصل أبو دلامة إلى العباس بن المنصور رقعة فيها هذه الأبيات
قف بالديار وأي الدهر لم تقف ... على مناظر بين الظهر والنجف
فإذا الحاشية (4) تقول
(النجف بالتحريك موضع بظهر الكوفة، وهو دومة الجندل بعينها، وبالقرب منها قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب) ولا شك في أن واضع الحاشية كغيره من الأدباء أغفل تحقيق الأماكن الجغرافية لعدم أهميتها، والحقيقة أن بالكوفة مكانا يدعى (دومة) والنجف محلة منها ويقال إنها سميت بذلك لأن عمر بن الخطاب لما أجلى الأكيدر صاحب دومة الجندل المشهورة في الجوف قدم الحيرة ثم بنى بها منزلا سماه دومة على اسم حصنه الذي نزع منه (راجع كتاب تاريخ الكوفة تأليف المؤرخ السيد حسين بن السيد أحمد البراقي طبع النجف صفحة 148 سطر 2
ولا يصح أن يفهم القارئ خطأ بأن موضع دومة الجندل التي مر ذكرها واختلاف الرواة بشأن الحكمين كان موضعا بالقرب من النجف حيث يرقد الإمام علي رضي الله عنه، وبين النجف ودومة الجندل بالجوف مئات الأميال وبين أرض أدوم وبالشراة مئات أخرى.

*المدير العام لمصلحة الاقتصاد الدولي المصري

*عن مجلة "الرسالة"، العدد 985، 12/ 11/ 1951
المصدر /

عالم #سعودي يحدد للمرة الأولى طريق هروب #المتنبي من #مصر إلى #العراق

بدر الخريف
نجح الدكتور عبد العزيز بن ناصر المانع أحد علماء اللغة والأدب بالسعودية في تحقيق إنجاز علمي لافت بوضع خريطة دقيقة لهروب شاعر العربية الأكبر «أبي الطيب المتنبي»، من الفسطاط بمصر إلى الكوفة بالعراق، بعد رحلات علمية ميدانية ومكتبية في أربع دول 
هي: مصر، والسعودية، والأردن، والعراق، استغرقت سنوات ثمان، درس فيها طريق هروب الشاعر، متتبعاً مساره ميدانياً. ويعتبر هذا الإنجاز العلمي الأدق في تحديد قصة وطريق الهروب السياسي لأشهر شاعر في التاريخ الأدبي العربي. وقد استطاع د. المانع تحديد خط سير المتنبي في خرائط الدول الأربع التي مر بها المتنبي حسب ما ورد في أشعاره وأخباره بالاستعانة بالخرائط والإحداثيات المتخصصة سواء في بلاده أو في الدول الثلاث الأخرى التي مر بأراضيها الشاعر في رحلة هروبه من الفسطاط في زمن كافور الإخشيدي إلى مسقط رأسه الكوفة. واستغرقت الرحلة نحو أربعة أشهر بدأها في التاسع عشر من شهر يناير (كانون الثاني) من 962م وانتهت في الثالث من مايو (أيار) من العام ذاته، بعد إقامة بمصر لمدة خمس سنوات مدح فيها، كما هو معروف، «كافور الإخشيدي»، حاكم مصر آنذاك بقصائد عدة وفي نفس الشاعر مطامع بالحصول على إمارة أو ضيعة، لم يلبها الحاكم الممدوح. واستطاع الشاعر الهروب رغم المراقبة الشديدة والدقيقة عليه من قبل «الملك» الأستاذ كما كان يلقبه الشاعر، حيث سلط كافور على المتنبي عيوناً تراقبه طوال اليوم تجنباً لمثل هذا الهروب، ومن ثم الخوف من قيام الشاعر بهجائه إن لم يحقق مطالبه، وهو ما حدث بالفعل.

لم يكن توثيق الدكتور المانع لطريق هروب الشاعر وتتبعه ميدانياً ورسم خارطة دقيقة للطريق الذي سلكه هو موضوع منجزه الكبير فقط، رغم أهميته وأسبقيته، فقد أرفقه بدراسة مهمة هذا الشاعر الذي وصفه المؤلف بالعظيم ورمز العبقرية الشعرية المتفردة في مكانته.

واستشهد المانع في سياق الحديث عن مكانته الشعرية بأبي العلاء المعري، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء بالإشارة إلى أن أبا العلاء إذا أراد أن يستشهد بشعر أحد الشعراء قال: قال أبو نواس، أو قال أبو تمام، أو قال البحتري، أما إذا أراد أن يستشهد بشعر المتنبي فإنه يكتفي بأن يقول: قال الشاعر!، فهو عنده «الشاعر» أما غيره فهم - عنده بلا ريب - دونه مكانة ومنزلة، وعندما كان أبو العلاء ينشد بيت المتنبي المشهور: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي.. وأسمعت كلماتي من به صمم.

يقول: سبحان الله! كأنه ينظر إلي بظهر الغيب.

وضمّن المانع منجزه اللافت بتقديم قراءة في المحاولات والأعمال السابقة حول قصة هروب أبي الطيب المتنبي التي تناولها من سبقه في ذلك، طارحاً نقداً موضوعياً لهذه الأعمال والمحاولات في تحديد أعلام الطريق مثنياً على جديتها والجهود التي بذلت في سبيل تحقيق الهدف منها مبرزاً الجوانب الإيجابية في هذه الأعمال والأمور غير الدقيقة فيها وتصحيح الأخطاء، محللاً الأمور الظنية والاعتقادية المطروحة في تحديد الطريق الذي سلكه المتنبي في رحلة الهروب من مصر إلى العراق وبالتحديد من الفسطاط إلى الكوفة.

وُلِد البروفسور عبد العزيز بن ناصر المانع في محافظة شقراء السعودية سنة 1943م، وحصل على البكالوريوس من كلية اللغة العربية بالرياض سنة 1966م، وعلى الدكتوراه من جامعة إكستر بالمملكة المتحدة 1976م، في تخصّص تحقيق المخطوطات. وانخرط - منذ ذلك الوقت - في السلك الأكاديمي، فعمل مدرِّساً في قسم اللغة العربية في جامعة أم القرى، ثم انتقل إلى قسم اللغة العربية في كلية الآداب في جامعة الملك سعود منذ سنة 1977م أستاذاً غير متفرغ للأدب العربي القديم في ذلك القسم.

تولَّى البروفسور المانع - إلى جانب عمله في التدريس والبحث العلمي - عدداً من المناصب الأكاديمية والإدارية فكان مديراً لمركز البحوث في كلية الآداب، ورئيساً لقسم اللغة العربية فيها لسنتين، وممثلاً لها في مجلس كلية الدراسات العليا لأربع سنوات، ورئيساً لتحرير مجلّتها لأربع سنوات أخرى، كما عمل مديراً للمكتب التعليمي السعودي بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة لسنتين. ودُعي خلال سنتي 2006م و2007م، أستاذاً زائراً للدراسات العليا في مادّة «تحقيق المخطوطات» بجامعة سوسة في تونس.

وللبروفسور المانع الرياض، إضافة إلى المجلة الأردنية في اللغة العربية وآدابها التي تصدرها جامعة مؤتة بالأردن. نشاط كبير في الحياة الثقافية في بلاده، فهو عضو في مجلس إدارة نادي الرياض الأدبي، وعضو الجمعية العربية السعودية للغة العربية، واللجنة العلمية بمركز الشيخ حمد الجاسر الثقافي بالرياض، كما أنه عضو في هيئة تحرير مجلة العرب التي تصدر في الرياض وفي الهيئات الاستشارية لكل من مجلة عالم الكتب ومجلة عالم المخطوطات والنوادر ومجلة الدرعية. وبالإضافة لذلك، له إنتاج علمي غزير في مجال تخصصه فقد حقَّق أكثر من خمسة عشر من المؤلفات التراثية ونشر الكثير من البحوث والمقالات في المجلات العلمية المحلية والدولية إلى جانب مشاركته في كثير من المؤتمرات والندوات في المملكة العربية السعودية وأستراليا وبريطانيا والهند وإيطاليا وتونس ومصر والأردن. وما زال يشارك - على مدى عدة عقود - في الندوات الأسبوعية لقسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود.

ونتيجة لهذه الإنجازات، نال المانع جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والأدب عام 2009، تقديراً «لجهوده المتميِّزة في مجال تحقيق نصوص من التراث في الفترة المحدَّدة لموضوع الجائزة؛ إذ برهن على إلمام واسع بمصادر مختلفة ومتنوِّعة أحسن توظيفها في تحقيق عدد من المؤلفات التراثيَّة المهمَّة وضبطها وإجلاء غوامضها، وفقاً للمناهج العلميَّة الدقيقة في مجال صنعة التحقيق، ممَّا يسَّر للقرَّاء المعاصرين معرفة جَانب من التراث الأدبي العربي وأتاح نصوصّاً أساسيَّة منه للباحثين المختصّين وللمكتبة العربيَّة».

وقرَّرت جامعة الملك سعود الاحتفاء بالبروفسور المانع - بعد نيله جائزة الملك فيصل - بتخصيص كرسي بحثٍ باسمه ومنحه الميدالية الذهبية للجامعة وجائزة مالية.
المصدر/
عالم سعودي يحدد للمرة الأولى طريق هروب المتنبي من مصر إلى العراق 

المتنبي وشعره بلغة موليير


الكتاب يتناول سيرة وأعمال المتنبي من جهة علاقته بالسيف والمعارك (الجزيرةنت)

أنطوان جوكي-باريس
عن دار نشر "أكت سود" الباريسية وضمن سلسلة "سندباد"، تمنح الأنطولوجيا الصادرة حديثا عملاق الشعر العربي الكلاسيكي أبا الطيّب المتنبّي كل قيمته باللغة الفرنسية، متضمنة مقتطفات من شعره وسيرته الأدبية، لتكون الأكثر أمانةً لشعر المتنبي، شكلاً ومضموناً، مقارنةً بالترجمات السابقة التي حظي بها هذا الشاعر.
ولعل اختيار باتريك مغربني وهوا هوي فوونغ -اللذين وضعا وترجما الكتاب- عنوان "كتاب السيوف" لهذه الأنطولوجيا ليس اعتباطياً، فالسيف -كما يشيران إليه في المقدمة- يطبع حياة المتنبي من بدايتها وحتى نهايتها. سيفٌ شهره الشاعر منذ خروجه من سن المراهقة للتعارك مع الحُكم القائم آنذاك في بغداد، ثم مع الجيوش البيزنطية إلى جانب صديقه الكبير وحاميه الأمير سيف الدولة، قبل أن يعيده إلى غمده في سن السادسة والأربعين أثناء وضع نفسه في خدمة كافور الإخشيدي بمصر، ليشحذ لاحقا سيف هجائه ضد هذا الأخير، ويعود فيستلّه لمقاتلة مهاجمي قافلته عام ٩٦٥ فيموت والسيف في يده.
لكن هذا السلاح، الذي تسلّط على حياة المتنبّي وشعره، هو قبل أي شيء داخلي، في نظر مغربني وفوونغ. إذ لا تشكّل نقاوة النصل وصلابته ومهارة استخدامه في المعركة سوى الآثار المادية لقيَم روحية، فالشجاعة والإقدام في المعركة هما مسألتان أوّليتان لدى الشاعر.
والمقصود بكلمة "معركة" هو الهجمات المتواصلة للظروف على الإنسان، حيث يتجاوز السيف مع المتنبّي وظيفته كسلاحٍ حربي ليصبح صورةً ملموسة للنفْس البطولية، فيقول في معرض مدح صديقه الأمير "إنما هيبة المؤمَّل سيف الـ / دولة الملكِ في القلوب حسامُ"، كما يقول في قصيدةٍ أخرى حول الأمير نفسه "يُسْمى الحُسامَ وليست من مشابهةٍ \ وكيف يشتبه المخدومُ والخَدَمُ".
لا مبالغة في تصريح المتنبي بتفوّقه داخل قصائده، فالتقليد الشعري العربي كرّس تدريجياً كامل أعماله الشعرية، كما لم يفلت أي شاعرٍ عربي بعده من تأثيره
سلاح مجازي
علاوة على ذلك، تُشكّل القصيدة المنجَزة السلاح الأقوى وليس مجرّد سلاح مجازي يحلّ بخجلٍ مكان وهج السلاح الحقيقي في أرض المعركة. فالأبيات المشحوذة على يد شاعرٍ ماهر هي أمضى من أي سيف وتُسجّل أكثر الانتصارات سطوعاً. وبالنسبة للمتنبّي، ثمّة شاعرٌ واحد قادرٌ على تحقيق مثل هذا الإنجاز، وبالتالي يستحق كل المديح هو المتنبي نفسه. فحتى حين يقوم بمدح أحد الحُكّام الأقوياء، يُسمعنا صوته الفريد تفوّقه في كل بيتٍ شعري.
ولا مبالغة في تصريح المتنبّي، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، بتفوّقه داخل قصائده. فالتقليد الشعري العربي كرّس تدريجياً كامل أعماله الشعرية، كما لم يفلت أي شاعرٍ عربي بعده من تأثيره. وخلال أكثر من عشرة قرون، تم تدريس ديوانه ومناقشته وتقليده بحماسٍ لا يقارن، وذلك من المغرب وحتى الهند. أما نبوغه فيكمن، وفقاً لمغربني وفوونغ، في تكريس شعره الكلاسيكية الشعرية العربية، وفي الوقت ذاته في رفضه بقوة الوضع المتحجّر للعمل الشعري الكلاسيكي.
وفعلاً، لا نعثر إطلاقاً في قصائد المتنبّي على إطراءٍ أكاديمي باهت أو على مديحٍ متلفٍّف في طيّات رسمية. فبفضل سخرية غير ملموسة تُعلّق المعنى، عبر لَيٍّ ممارس على الكلمة المتوقّعة، يتلاعب الشاعر بالصور الكلاسيكية التقليدية ولكن أيضاً بموضوعات القصيدة العربية بهدف إظهار علاقته بالعالم وبالحكّام الذين يحتفي بهم.
وعلى عملية الإظهار هذه، نجده يضيف عناصر ملحمية وسردية، كحِكم وإيعازات أخلاقية موجّهة إلى نُصراء الشعر، ومواقف محسومة من الحالة السياسية، وشتائم موجّهة إلى الخصوم، وسردٍ لمعارك أو لرحلاتٍ قام بها. وبذلك يرسم بديوانه على خلفية مدائحه شكلاً ملحمياً فريداً تتجلّى فيه مآثره وأبرز مراحل سيرته الذاتية.
قيمة الكتاب تكمن خصوصاً في الطريقة المتّبعة لنقل القصائد المختارة إلى الفرنسية. فلأن هذه الأخيرة تخضع لنظام عَروضي دقيق، لجأ المترجمان إلى معادلٍ عَروضي له باللغة الفرنسية
ترجمة إبداعية
ولا يتوقف تقديم مغربني وفوونغ للمتنبّي عند هذا الحد، بل يشمل لمحة سريعة عن حياته ووقفة عند خصوصيات النسيب والرحيل والمديح في قصيدته. لكن قيمة عملهما تكمن خصوصاً في الطريقة المتّبعة لنقل القصائد المختارة إلى الفرنسية. فلأن هذه الأخيرة تخضع لنظام عَروضي دقيق، لجأ المترجمان إلى معادلٍ عَروضي له باللغة الفرنسية.
وفي هذا السياق، استخدما البحر الإسكندري الكلاسيكي أو البيت المؤلّف من أربعة عشر مقطعا لترجمة القصائد الكبرى، كما استخدما البيت المؤلّف من أحد عشر مقطعا أو تسعة مقاطع في القصائد التي لجأ المتنبّي فيها إلى بحورٍ أقصر.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى القافية التي حاول المترجمان المحافظة عليها ولكن ليس بأي ثمن، كما سعيا إلى نقل النشوة الإيقاعية التي ترتكز في قصائد المتنبّي على استخدام مكثّف للسجع والتجنيس، بدون إهمال الجهد الشكلي المذهل في هذه القصائد الذي يوقظ لدى المستمع إليها شعوراً بالإثارة والحماس يستنهض إرادته وينتزعه من ثقل العالم.
المصدر : الجزيرة
المتنبي وشعره بلغة موليير - الجزيرة.نت 

الثلاثاء، 20 فبراير 2018

ريجيس بلاشير.. المفتون بالمتنبي - البيان

في هذة المقالات التي تنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.


بهرته اللغة العربية بجمالياتها فكرس حياته لدراستها... شغف المستشرقون الفرنسيون بالشرق، وخاصة بالأدب العربي وكان لهم الفضل الكبير في إظهار كنوزه والاهتمام بدراسته ونشر روائعه، مترجماً إلى اللغة الفرنسية، ولكن الشرق بالنسبة للمستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير كان المغرب الذي عاش فيه منذ طفولته، وهو ابن الخامسة عشرة إلى أن التحق بفرنسا سنة 1935، وهو ابن الخامسة والثلاثين. كان والده قد انتقل ـ وكان موظفاً صغيراً - مع أسرته إلى المغرب سنة 1915 بعد احتلاله من قبل فرنسا.
كان بلاشير آنذاك يرافقه، فقد وجد في المغرب بلده الثاني، وتفتح ذهنه على حضارته العربية وثقافته الإسلامية، فتشرب بهما حتى النخاع، بل أصبح أحد أساتذتها الأكفاء بدون منازع. فأنهى هناك دراسته الثانوية في مدرسة «ليوتي» في مدينة الدار البيضاء، وعمل في وظيفة مترجم، غير أن أساتذته وجدوا فيه استعداداً قوياً للبحث وتعلم اللغات الأجنبية، فوجهوه إلى تعّلم اللغة العربية ليصبح مستعرباً يعّلم العربية. كان ضليعا في اللغة والآداب العربية من جهة وفي الدراسات القرآنية والإسلامية من جهة أخرى. وقد تخرجت على يديه كوكبة من الباحثين المسلمين والأجانب أبرزهم: اندريه ميكل ومحمد اركون. فقد أتقن اللغة العربية وافتتن بجمالياتها، عالماً ومثقفاً وأديباً. وقام بتأسيس جمعية تطوير الدراسات الإسلامية، ومركز استقبال الطلبة العرب في فرنسا. وقد أدى هذا التفاعل إلى إنتاج عشرات الكتب والمقالات والتراجم التي خلّدت الثقافة العربية الإسلامية في الغرب.
المتنبي.. شغف بشعره
يعتبر بلاشير أول من عرّف بالشاعر العربي أبو الطيب المتنبي في الثقافة العالمية، ومن شدة ولعه به، قدم أطروحته للدكتوراه عنه بعنوان «ديوان المتنبي في العالم العربي وعند المستشرقين»، 1935.
وهو من أصعب الشعراء العرب على الترجمة بفضل عبقريته اللغوية المعترف بها. ولم يكتف بترجمة أشعار المتنبي بل قام بترجمة نماذج من روائع كبار الشعراء العرب القدماء. وكان بلاشير يؤمن بأن الترجمة لا تتطلب فقط الإتقان التام للغتين، بل الموهبة والحدس لأن الترجمة في نظره إبداع مواز للنص المترجم عنه.
ووضع «قواعد لنشر وترجمة النصوص العربية» التي تفترض شروطاً إبداعية خاصة للتعامل مع النصوص الشعرية منها والنثرية وتأويليها. وهو في هذا المضمار، له عدته، فهو أستاذ اللغة العربية التي أتقن أصولها في المنابع. وبذل مجهوداً كبيراً في تعليم اللغة العربية للفرنسيين، ساعياً لنشر هذه اللغة على أوسع نطاق، لذلك فوضع كتاب «نحو اللغة العربية الفصحى».
بالإضافة إلى معجم عربي فرنسي إنكليزي بالتعاون مع الأستاذين مصطفى شويمي وكلود دينيزو. ولم يتوقف عن البحث في الأدب العربي، قديمه وحديثه، لينقله إلى لغة موليير، فقد ترجم نماذج من فحول شعراء العربية كامرئ القيس، وزهير بن أبي سلمى، والخنساء، والمعري، وبشار ابن برد.. والهمذاني.
ولم يتوقف جهده عند الأدب العربي الذي كتب تاريخه في ثلاثة مجلدات، بل اتجه إلى الاهتمام بعلم الجغرافيا، والمعاجم، والموسوعات، وأدب الأمثال، وعلم العروض وغيرها.
ولكي يضع إطاراً لكل مشاريعه اللغوية، خاض مشروعه في تأليف قاموس ثلاثي: عربي، فرنسي، انجليزي ضخم، ولكن لم يصدر منه سوى ثلاثة أجزاء في حياته. واهتمامه بالأدب والفكر لم يبعده عن العلوم الأخرى مثل الجغرافيا، إذ يقول «إننا لا نستطيع أن نزور الصين الآن دون أن نرجع لرحلة ابن بطوطة». وهو اعتراف رجل علامة بما أنجزه العرب في مجال الرحلة.
معاني القرآن الكريم
قام بلاشير بترجمة معاني القرآن الكريم في عام 1949، واضعاً السور وفق نزولها، سيرا على نهج بعض المترجمين البريطانيين، وذلك بقصد تفسير التشريع على ضوء الوقائع التاريخية. ثم تخلى عن ذلك في الطبعات التالية بعدما اقتنع بعدم جدوى مخالفة ترتيب المصحف العثماني.
ويذكر دائما في مقدمة السورة مصدر اسمها وآراء المفسرين المسلمين وغير المسلمين في مكيتها أو مدنيتها جزئيا أو كليا.
لكنه كان يرجِّح آراء غير المسلمين في أغلب الأحيان. وقد اعتمد في ترجمته على أربعة تفاسير وهي: الطبري، والبيضاوي، والنسفي، والرازي من اجل توسيع إمكانيات تأويل النص.
وتمكنت ترجمته أن تشق طريقها بين الترجمات العديدة في أوروبا وذلك بفضل اطلاعه على قواعد اللغة العربية وآدابها وتذوقه الخاص بها كلغة كان يقول عنها بأنها «لغة المجد».
وجاءت أغلب الأصوات التي انتقدته بأنه رجل علماني أكثر من اللزوم، لكنه ليس من نوع المترجمين التقليديين، بل يريد فرض رأيه بالنص الذي يتعامل معه: «..في جميع المجالات التي أطللنا عليها من علم قواعد اللغة والمعجمية وعلم البيان، أثارت الواقعة القرآنية وغذت نشاطات علمية هي أقرب إلى حالة حضارية منها إلى المتطلبات التي فرضها إخراج الشريعة الإسلامية.
وهناك مجالات أخرى تدخل فيها الواقعة القرآنية كعامل أساسي.. ولا تكون فاعليتها هنا فاعلية عنصر منبه فقط، بل فاعلية عنصر مبدع تتوطد قوته من خلال نوعيته الذاتية» ومن أجل ذلك، قدم نبذة عن تاريخ ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأوروبية، وانتقد الترجمات التي جاءت من جماعة طليطلة بمبادرة «القس بيير المبجل».
أما أول ترجمة فرنسية فقد أعدها أندره دوريير في منتصف القرن السابع عشر. وعن هذه النسخة، ترجمها ألكسندر روس إلى الإنجليزية عام 1649، وجلاوماخر إلى الهولندية عام 1657.
وكذلك ترجمة سافاري الفرنسية التي حظيت برواج كبير في القرنين الماضيين. وقد بلغت ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية ستاً وثلاثين ترجمة. وعلى الرغم من ذلك، أصر على أن يقدم ترجمته للقرآن الكريم ومعانيه لأنه قدم ترجمة إبداعية، مرفقة بالشروح والتفسيرات.
صحيح أن بلاشير، واجه صعوبات في الترجمة وشرح معانيه، وصعوبة الاختيار بين الروايات المختلفة والتأويلات المتنوعة، لكنه لا ينفي وجود شرح يستند إلى الإيمان بالعقل حينما تنال هذه التفسيرات التأييد والإجماع. وكان ضليعا في اللغة والآداب العربية من جهة وفي الدراسات القرآنية والإسلامية من جهة أخرى.
إن أهمية المستشرق بلاشير تمتد إلى أجيال متعددة، ولم تنته تأثيراته لحد الآن في الدراسات العربية والإسلامية. فقد تخرجت على يديه نخبة من الباحثين المسلمين والأجانب، بالإضافة إلى أن ترجمته القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، أثار العديد من الأبحاث والدراسات الهامة.
وقد نقل نظرية المستشرقين الألمان إلى اللغة الفرنسية، بكل تجاربها وخبراتها. والمعروف إن الاستشراق الألماني حقق إنجازات كبيرة في ما يخص الدراسات القرآنية.
يقدم بلاشير الوجه المشرق لقراءة مبدعة للأدب العربي القديم، تختلف عن القراءات الميتة لأنه يقرؤها بعين فاحصة، نقدية، وشفافة. لذلك ظلت أعماله ذات قيمة علمية وريادة متفردة، في تأسيس لبنات مدرسة أدبية متميزة في تناول التراث العربي القديم، ينتمي إليها عدد كبير من الأدباء والعلماء الذين كثيراً ما أبدوا تأثرهم بشخصيته العلمية وثقافته الواسعة.
في سطور
ريجيس بلاشير (19731900) من أشهر مستشرقي فرنسا في القرن العشرين، ومن أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق. ولد في مونروج في ضواحي باريس.
تعلم العربية في الدار البيضاء بالمغرب.
هاجر مع عائلته إلى المغرب في عام 1918 وتعرف على الإسلام والثقافة العربية هناك. وباشر بإصدار كتبه. أصدر مجلة «هيسبيريس» التي أسسها في عام 1920.
وتخرج في كلية الآداب في الجزائر 1922 وعين أستاذاً في معهد الدراسات المغربية العليا في الرباط (1924 1935) وانتقل إلى باريس محاضرا في السوربون عام 1938، فمديراً لمدرسة الدراسات العليا عام 1942، وأشرف على مجلة «المعرفة» الباريسية الصادرة باللغتين العربية والفرنسية. ونجح في فرض تدريس اللغة العربية في بعض المدارس والمعاهد الثانوية الفرنسية آنذاك.
وفي باريس ناقش أطروحته عن الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي.
وقد حاز كرسي الأستاذية في المدرسة الوطنية للغات الشرقية في باريس (1935- 1950).
كما شغل عدة مناصب علمية أهمها عمله كمدير للمدرسة التطبيقية للدراسات العليا (1950- 1968) كما عمل مديراً بمعهد الدراسات الإسلامية في أكاديمية باريس.
اضاءة
تتلخص جهود بلاشير في ترجمته للقرآن الكريم، والشعر والنثر العربيين. يُضاف إلى ذلك أسلوبه في تأويل معاني القرآن، والقواعد التي وضعها هو أصلاً لهذه الترجمة. وتسترعي تجربته الانتباه بأنه ترجم روائع الشعر العربي القديم، ومنها لشاعر المتنبي. أما عمله على النص، فيتركز في ثلاثة ميادين: النص القرآني، والنص الشعري، والنص النثري. وقارن بين كبار المترجمين.
من آرائه
« لا جرم إن كان ثمة شيء تعجز الترجمة عن أدائه، فإنما هو الإعجاز البياني واللفظي والإيقاعي في الآيات القرآنية الكريمة..»
قالوا عنه
«ليس بلاشير مجرد باحث، ولكنه رجل واسع الثقافة، وله عين ناقدة، وذهن متوقد، ورؤية صائبة، جمع بين مفكري الشرق والغرب على حد سواء، إلا أن فكره النقدي ارتبط بفلاسفة من عيار: مونتينيي وفولتير ورينان وستاندال، ولم يقتصر اهتمامه على الأدب، بل اهتم كذلك بالموسيقى، إذ كان يعزف بآلة كمانه: باخ وماهلر وبيتهوفن، وفي بعض الأحيان كان يؤلف الموسيقى». شارل اندريه جوليان
«بلاشير مدرسة أدبية متميزة في دراسة التراث العربي القديم وترجمته. هذه المدرسة ذات إشعاع عالمي، يمثلها جيل من الأدباء اللامعين العرب وغير العرب في دراسة الأدب العربي وترجمته سواء من طلبته أو من طلبة طلبته الذين تأثروا بشخصيته العلمية القيمة في مواضيع البحث ومنهجيته وعشقهم الفريد للغة العربية وولعهم بالتراث الإسلامي». وقد امتدت هذه المدرسة إلى كل أقطار العالم العربي وغير العربي.حورية الخمليشي
مؤلفاتها
ــ اناليكتا 1975
ــ القرآن الكريم 2002
ــ في خطى الرسول محمد (ص) 1956
ــ قاموس عربي فرنسي انجليزي 1960
ــ قاموس عربي فرنسي انجليزي 1967
ــ عناصر اللغة العربية 1958
ــ ممارسات اللغة العربية الفصحى 1970
ــ مقاطع من الجغرافيا العربية في القرون الوسطى
ــ قواعد اللغة العربية الفصحى
ــ تاريخ الأدب العربي من الأصول إلى نهاية القرن الخامس عشر 3 أجزاء
ــ مقدمة إلى القرآن الكريم
ــ القرآن ترجمة 1949 ـ 1977
ــ أبو الطيب المتنبي، نقله إلى العربية د. أحمد أحمد بدوي
ــ معجم عربي فرنسي إنجليزي
شاكر نوري
المصدر :
http://www.albayan.ae/our-homes/2010-08-24-1.276837

الخميس، 15 فبراير 2018

الفن وأهميته.. ابداع في حياة الانسان

الفن وأهميته.. ابداع في حياة الانسان

إنّ العالم الذي نعيشُ فيه فِي الوقت الحالي يعتمد على الجانب المادّي (المال والمادّة)، والفنون ليس لها أيّ علاقةٍ بهذه الجوانب فهي تعمل على إقامة توازن بين المظاهر الروحيّة الداخليّة للإنسان مع الجوانب الماديّة في الحياة الإنسانيّة،

فعلى سبيل المثال عندما يقوم الرسام برسم لوحةٍ فنيّة فهو يستخدم مشاعره المَكبوتة ويحاول أن يوصلها مِن خلال رسمته إلى العالم باستخدام أدوات رسم بسيطة تجعل مِن هذه اللوحة ذات قيمةٍ مادّية، فالفن دائماً يرتبط بالإبداع والعبقرية، لذلك أهمية الفنون تكمن في حياة الإنسان بـ:
إشباع الرغبات الروحية: الغريب أنّنا في الوقت الحالي الجميع يركضُ وراء المادّة وينسى الجانب الروحي مِن حياته فيصبح إنسان بلا مشاعر، وهذا الأمر للأسف موجود في الوقت الحالي، ويجب أن تشبع الرغبات مِن خلال الفنون الجميلة مثل سماع الموسيقى، وكتابة الشعر، والعزف، إلخ... أي فن من الفنون تجد فيه القدرة على إخراج أجمل ما في داخلك لكي تشبع حاجاتك الروحيّة مع الحرص على الجانب المادّي، لأنّ كلّ إنسان لديه ألم صامت في داخله ولا يجب أن يبقى طويلاً، والفن وسيلة مِن وسائل إخراج هذا الألم على شكل فن.
قيمةٍ إبداعيّة في حياة الإنسان: كلّ إبداع تُبدِعه اليد البشريّة يُطلَقُ عليه فن طالما يُحقّق قيمة جماليّة جوهَرُها الأساسي إرادة الإنسان، فَعَلى سبيل المثال من يقوم بتصميم السيارات ويطبّقها على أرض الواقع هو فن، والمصوّر، والمصمّم، والمبدع فِي العمل كلّ هذه الأمور هي فنون؛ فحاول أن تجد الفن في حياتك لأنّ الفن يلعب دوراً هاماً في المجال الذي تعيشُ فِيه وتستطيعُ مِن خلال خيالك أن تبني الحياة التي أنت تريدها، فالخيال والعمل هم أساس الفن والحياةِ بأكملها.
يقولُ العالم الفيزيائي آينشتاين (لو لَم أكن فيزيائيّاً، مِن المحتمل أن أصبح موسيقيّاً، غالباً ما أفكّر بالموسيقى، أحلامُ اليقظةِ لديّ مُوسيقى وأنظرُ إلى حياتي بدلالة المُوسيقى، أجملُ أوقاتي هي تلك التي أقضيها بالعزفِ على الكَمَان). لأنّ الفُنون الجميلة دائماً تلعبُ دوراً مهماً فِي المُجتمع الإنساني، وتجعلُ الإنسان أكثر رقياً، لأنّ الحيوانات لا تَعرِفُ الفنون ولا تُتقِنها سوى البشر، فهي حالة من حالات الرقي الإنساني.
يعتقد الكثير أنّ الفنون لا معنى لها ولا أهميّة، ولكن أنتَ لا تعرف أنّ الفنّانين يُعَبّرون عن مشاعرهم تجاه مجتمعهم والطبيعة وما تظهره الحياة لهم مِن خلال استخدام وسيلةٍ فنيّة؛ فعلى سبيل المثال عندما نشاهدُ لوحةٌ فنيّة أو قِطعَة مُوسيقيّة فهي تُحرّر الفنان مِن الحالة التي يعيشُ فيها سواء كان الخوف، أو القلق، أو الغضب، أو أي مشاعر مكبوتةٌ في داخله يُخرجها لكي تقودهُ بعد ذلك إلى الاستقرار النفسي، لأنّ كبتِ المشاعر والأحاسيس لفتراتٍ طويلة تُسَبب الكثير مِن العُقَد النفسيّة، لذلك سنقومُ بالتعرّفِ مِن خلال موقع موضوع على أهميّة الفنون وكيف تستخدمها لنفسك حتّى ولو لم تكن فناناً.
-----
منقول تراه
ولا عرفت اجيب الرابط الا بالشكل هذا :
http://al-vefagh.com/News/87502.html?catid=10&title=%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86-%D9%88-%D9%87%D9%85-%D8%AA%D9%87---%D8%A7%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D8%B9-%D9%81--%D8%AD-%D8%A7--%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86

مقال:أهمية الفنون في المجتمع الإنساني

مقال:أهمية الفنون في المجتمع الإنساني

إنّ تعبير الإنسان عن حاجته لرؤية العالم قد تتحقّق من خلال الدّين أو من خلال الفنّ والعلم أيضا.فالفنّ كرؤية للعالم هو تعبير  جمالي عن أفكار وتصوّرات الشعوب، توصلت إليها بحكم بحثها عن إثبات خلودها وبقائها.
فهذا نعني بالفنّ؟ وماهي وظيفة في المجتمع الإنساني؟
سنحاول الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال تحديدنا لمفهوم الفنّ بما هو تعبير إنساني يدلّ عن مرحلة من مراحل الوعي. وهو أداة تبليغ وتواصل لأنّه يعتبر من مكملات الخطاب الكلامي من حيث البنية والدّلالاتـ يمثل وسيطا بين أفراد المجتمع الواحد ويبين المجتمعات ككلّ.
ويعدّ الفنّ أيضا ميدانا شاسعا للتعبير عن الانفعالات والأحاسيس والطاقات الكامنة، فكلّ عمل فنّي يتخذ موضوعا معيّنا ومن هنا تنطلق مهمة الفنّان المتمثلة في قدرته على تحويل هواجسه إلى عمل يحمل في طياته أبعاد دلالية متعدّدة ورؤى تعبيرية تترجم عنها. فالفنّان يمتلك القدرة في بناء عالم مثالي خيالي يعبر فيه عن نفسه كيف ماشاء ويشبع فيه رغباته الحسيّة كما أنه يمتلك آن القدرة على العودة إلى الواقع المعاش. فميدان الفنّ إذن هو ميدان رحب يلجأ إليه الفنان ليعبّر عن انسحابه و رفضه  للواقع، لكنّه أيضا ميدان للكينونة والتجسّس والتواصل مع الآخر ومن هنا يمكننا القول أنّ من أهم خاصيات الفنّان هي المراوحة بين الواقع والخيال أي بين الحاضر المعاش والغائب المنشود.
يتمّ الإبداع الفني عن طريق تطويع واستعمال عناصر أولية لمادة أو لموضوع قائم الذات، ويمثل الواقع في مناسبات عدّة من الموضوع. يقوم العمل الفنّي على عدّة شروط لعلّ من أبرزها عدم اختزاله على أنّه مجرّد إعادة بناء للواقع وإنتاج يصور أشكال خالية من المضمون فتوفّر الشكل فقط لا يبيح الحديث عن فنّ في أتمّ معانيه » في ذات الحين وعلى مستوى أعمق فالتجربة الفنية تساهم في نجاح العمل الفني باعتبارها تتجاوز حرامة العقل والمنط، فالتجربة الفنيّة هي في نفس الوقت تجربة انفعالية. من جهة أخرى يعتبر الإبداع بما هو سمة العمل الفنّي- مهارة وقدرة على رؤية الأشياء على نحو مغاير لما هو مألوف ورتيب، ولذلك تقترن سمة الإبداع بحضور الذّات والانفتاح لأنّ العمل الفنّي يخترق المحدودية ويتجاوز الحدود الذي يفرضها الواقع.
فالتجربة الفنية إذن تمثل محاولة للكشف عما يتخطّى المعطيات الحسيّة المباشرة وينطلق في عالم من الأحياء باللامحدودية[1] .
مثلما يقوم  العمل الفني على شروط تساعد منتجه على تحقيق نجاحه وتمكنه من ارساء أفكاره في المجتمع، فهو  مطالب بالخوض في الواقع ومحاولة إحداث بعض التغييرات في الجوانب التي تستوجب إعادة النظر فيها ومحاولة طرح ودراسة مواضيع جديدة وبديلة وذلك بحكم أنّ العمل الفني لا يخضع لشروط تعيين ثابتة ولا لمعايير حياتية نهائية محنّطة. فالإبداع بساهم بدور هام في تغيير هذه الوقائع ذلك أنّه يعد من بين المهارات والقدرات التي تقدم الواقع برؤية أو بطريقة نحو مغايرة لما هو مألوف.
ويمكن القول أنّ الفنّ يضطلع بالإضافة إلى وظيفة التعبيرية على الوظيفة النقدية ذات البعد الإيديولوجي أو الفكري للفنّان نفسه.
إنّ تعرفي الفنّ بما هو  » تعبير جمالي » يثير أشكالا حول علاقة الفنّ بالتاريخ أي بالحضارة والإنسان، لأنّ الفنّ قد يكون شاهدا حبا على حضور الإنسان في العلم وعن وعيه بضرورة التواصل مع الآخر، ولذلك يمكن لنا تعريف الفن بأنه تقديم الواقع بتصوّر رؤية مختلفة. فالفنّ قبل كلّ شيء ينبثق من دافع إنساني بهدف إلى إشباع الحاجات الاجتماعية والنفسية والفكرية، وله وسيلة تتمثل في التعبير عن تلك الحاجات الإنسانية، ومن هنا كان الفنّ وما يزال عنصرا مهما من العناصر الحضارية المادية والمعنوية التي تعبٍّ عن دوافع ورغبات وحاجيات أفراد المجتمع.
فالفنّ حسب « فرويد »يمثل نتاجا ثقافيا لأنّ أساس الثقافة الكتب: إن هذا الأخير يؤسس الثقافة والفنان على هذا النحو أقدر الأشخاص على تحويل دوافعه إلى اللاشعور قصد التعبير عنها بالفنّ.فلا نستغرب إذن  أن يكون الفنان من بين الأقليّة التي تساهم في صنع الحضارة لأنه  على علاقة وثيقة بالمحيط الاجتماعي،  فمن الواقع ينطلق بحثه وإلى الواقع يجه أفكاره فهو من هذا المنطلق يلعب دور المختصّ في علم النفس الذي يكشف عن الحالات المرضية من خلال  المعاينة والتشخيص، ويقدم لهم  الشفاء انطلاقات من إبداعه في نتاجه الفني.  » وفي الحقيقة فاتن الرموز والإشارات التي يستعملها الفنان في أعماله الفنية بمثابة لغة التواصل والتبليغ وهي أدوات ووسائل يستطيع الفنان بواسطتها نقل أفكاره وتوضيح دوافعه وميولاته التي تتضمن في ذات الوقت القيم الاجتماعية والدينية والأخلاقية والإيديولوجية التي يتميز بها عن غيره، ومن الجدير بالذكر أنّ المخزون الرمزي الكبير لدى الفنان ينعكس في أعماليه الفنية بشكل متماسك ويعبر بقوة عن الأفكار والمعاني والتصورات التي تربط الإنسان بمحيطه الطبيعي والاجتماعي[2].
إلى جانب ما تقدمه الفنون من حلول وأساليب لفهم المجتمع والخوض في واقعة فهي أيضا تعمل على ترسيخ اديولوجيا وثقافة المجتمع، لأنها تعمل بالأساس على تقوية المعتقدات الروحية وترسيخ القيم والعادات والتقاليد والمثل الأخلاقية باعتبارها وسيلة من وسائل تنظيم المجتمع شأنها فيذلك شأن القوانين الوضعية والعرفية.
في الختام نودّ القول بأنه لا يمكننا أن ننظر إلى الفنون بصفة سطحية باعتبارها مثلا  » كأداة ترفيه وهروب من الواقع » بل يجب أن نمعن النظر في جوهرها بكونها وسيلة تعبيرية راقية للواقع المعاش بما فيه من غموض واختلاف وصدام بين الحضارات.
حيث أنّ الفنون تعدُّ أيضا وسيلة تربوية تساهم في تأطير وتثقيف أفراد المجتمع والنصوص بهذا الأخير نحو الأفضل بمختلف أشكالها – تساهم في نشأة الفرد وبلورة شخصيته لما تعكسه من التحام بين العقائد والقيم  والأساطير التي تتوارثها الأجيال. كذلك وفي مرحلة ثانية تنقل السلوك الحضاري التقليدي منه والمحدث بما فيه من أنماط متوارثة تساعد على تجسيد واستمرارية وترسيخ القيم والمثل الأخلاقية والأعراف الاجتماعية. كما يجدر التأكيد على دورها الفعّال في إطار التثاقف بين الحضارات والشعوب، حيث تقوم مقام الوسيط الإعلامي والدفاعي في الوصل بين أفراد المجتمع الواحد وبقية المجتمعات الأخرى إذن ومن أجل مقاربتنا هذه لمفهوم الفنّ ودوره في المجتمع نودّ توجيه دعوة إلى كافة المختصين في هذا المجال،  تكثيف الاهتمام بالفنون لما تعكسه من فكر وعلم غنيات بالدلالات الاجتماعية والأخلاقية والتربوية، لعل بذلك نسير بمجتمعاتنا نحو الأفضل والأرقى.
 https://ibtissemwaer.wordpress.com/2013/05/12/%D8%A3%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A/

الموسيقى وأهميتها في حياة الفرد والمجتمع


الموسيقى وأهميتها في حياة الفرد والمجتمع

بقلم : د. داليا حسين فهمي
الموسيقي مرآه تتجلي فيها مدنيات الشعوب وحضاراتها، وإن التاريخ ليجلي عن تلك الحقيقة فيكشف لنا عن صور عقليات الشعوب المختلفة وتباين طرق تفكيرها في الموسيقي باختلاف العصور.
في هذا الصدد تقول دكتورة داليا حسين فهمي أستاذ الموسيقي العربية بقسم التربية الموسيقية ـ كلية التربية النوعية ـ جامعه عين شمس:  كان المصريون في الممالك القديمة يعدون الموسيقي أحد العلوم الأربعة المقدسة ويحيطونها وأهلها بكل أنواع الاحترام، وكذلك قدماء الصين يعتقدون بوثيق ارتباط الموسيقى بحياة الدولة وأن كل ما يصيب المملكة من خير أو شر مرجعه الموسيقى ونظرياتها حتى كانت الأسر الصينية كلما حدث لها مكروه قالت إن هناك خطأ في نظريات الموسيقي وتركيب سلالمها، وبلغ من سمو تفكيرهم في الموسيقي أن أطلقوا علي درجات السلم الموسيقي أسمى ألقاب الدولة فاسموا الدرجة الأولي الإمبراطور والثانية رئيس الوزراء والثالثة الرعية المخلصة والرابعة شؤون الدولة والخامسة مرآة العالم إلى غير ذلك ،كذلك في اليابان، فإن المجتمع يهتم بالموسيقي، فمثلا سفير اليابان كان عند تقديم أوراق اعتماده في المملكة المعين فيها في الخارج لا يتكلم، بل يغني لحنا خاصا يسمى " النوتة الدبلوماسية " ، وفي الهند يعتقدون أن الموسيقي هبة من الآلهة مباشرة، وأن الآلهة هي التي منحتهم الآلات والمقامات التي تبنى عليها الألحان والتاريخ يقدم أهمية الموسيقي في المجتمع.  وقد أفاضت كتابات أفلاطون وغيره من الفلاسفة في أن الموسيقي هي الأساس الذي تبنى عليه تربية الطفل وتقويم الدولة.
وتضيف دكتورة داليا قائلة: لم تعد الموسيقي فنا يقصد به مجرد اللهو والتطريب بل أصبحت جزءا من ثقافة المجتمع ودعامة من دعائم المدنية الحديثة، فهي جانب هام من حياة التلميذ في المدرسة وجزء من حياة المنزل وشطر لا غنى عنه في الحياة العامة.
كما أن الموسيقى ضرورية للإنسان في حالات القراءة والدراسة , ولا تخلو جلسة أو مكان من وجود الموسيقى فيه بشكل من الأشكال , وقد ترددت فوائد كثيرة عن الموسيقى, وما يمكن أن تقدمه في مجالات شتى، وآخرها ما نسمعه عن أن الموسيقى تساهم في نمو وتطور دماغ الطفل, فهل يمكن للموسيقى أن تجعل الطفل أكثر ذكاءً؟.
لقد توصل العالم العربي أبو بكر الرازي إلى فوائد الموسيقى قبل حوالي ألف سنة, إذ لاحظ أن بعض المرضى المصابين بأمراض تسبب آلاماً مبرحة, ينسون هذه الآلام ويشملهم الهدوء والسكون لدى سماعهم للألحان الشجية , والنغمات المطربة, فأدرك بإحساسه الدقيق المرهف, أن الموسيقى لا بد أن يكون لها أثر في تخفيف الآلام , وفي الشفاء من بعض الأمراض , وبعد تجارب عدة جزم أن الموسيقى الجميلة لها أثر حاسم في الشفاء من بعض هذه الأمراض, وصار يعتمد عليها بوصفها أسلوباً من أساليب العلاج الطبي.
في مراكز العلاج:
دخلت الموسيقى مؤخراً ضمن برنامج العلاج والتأهيل في العديد من مستشفيات الأطفال ومراكز علاج السرطان في أوروبا , كما أعلن خبراء التربية أن الطفل يستفيد من الاستماع إلى الموسيقى كما الكبار, وأن الألحان الناعمة تهدئه, وعادة ما تلجأ الأمهات إلى الغناء عندما يستيقظ الطفل في منتصف الليل , ويقال إن الموسيقى ربما تعمل على تقوية ونمو الأطفال الخُدَّج, أي الذين يولدون قبل اكتمال نموهم داخل الرحم.
تنمية الذكاء:
والموسيقى مفيدة للأم أيضاً فهي قادرة على رفع معنوياتها , وتهدئة أعصابها المتشنجة كما تساعدها على تقوية علاقتها بطفلها, فعندما تتمايل مع الموسيقى, على ألحان ناعمة , وهي تضم ابنها إلى صدرها , وتغني له أنشودة خاصة بالصغار أمثاله، تجده يهدأ وينام.  ولكي نجعل الموسيقى جزءاً من حياة الطفل ينبغي على الأم أولاً ألا تعتمد على التلفزيون.ثم عليها أن تجعل أي آلة موسيقية, أو جهاز موسيقي ( ستيريو أو جهاز تسجيل عادي)على سبيل المثال, جزءاً مهماً من الأجهزة العاملة في المنزل, لأن تشغيل أشرطة موسيقية, وبعض الأغاني الهادئة , ينمي عادة اهتمام الطفل بالموسيقى ويجعله عندما يكبر يعطي الألحان الموسيقية أذناً صاغية.
ومن المعروف أن الصغار ينامون عند سماعهم لبعض الأغاني, لهذا ينصح الخبراء الأم بجعل صوت المسجل منخفضاً وتعتيم المكان, ولكن مع عدم ترك الغرفة حتى ينام الطفل على صوتها, فعندما ينتهي الشريط ربما يستيقظ الطفل, ويحتاج إلى قدوم الأم إلى غرفته من أجل تشغيل الموسيقى , ولهذا بدلاً من ذلك, عليها أن تسمعه بعض الأغاني, ومن ثم توقف جهاز التسجيل قبل أن يستغرق في النوم. وعلى الأم أن تقوم بالغناء لطفلها, ولا تقلق بشأن صوتها, فالصغير لن ينتقد أسلوبها في الغناء, بل سيحب ما تبذله من جهد من أجل إسعاده. وعليها ألا تتقيد بالغناء في مواعيد النوم فقط, بل عليها أن تردد له الأغاني أثناء ملاعبته. والطفل عادة يحب قرع الطبل أو لعب البيانو, فهو يؤلف موسيقاه الخاصة , ولكن ذلك لا يتعدى سبيل اللعب , والأطفال لا يستفيدون من العزف على أي آلة  قبل بلوغهم سن الثالثة على الأقل , إذ في هذه المرحلة تبدأ الدارسات الخاصة بالموسيقى بالتشكل في دماغ الطفل.
وإذا كانت الأم تحب الألحان الكلاسيكية , وبدا لها أن طفلها يستمتع بها, فالأفضل أن تسمعه إياها , وبهذه الطريقة تجعل الأم اختياراتها المفضلة هي التي ترشدها لنوعية الموسيقى التي يحبها طفلها.  ويؤكد الخبراء أن أي لحن هادئ  وجميل, يدخل الحبور والهدوء إلى نفس الطفل.
وأشارت دكتورة داليا حسين فهمي أستاذة الموسيقي العربية في قسم التربية الموسيقية، كلية التربية النوعية، جامعة عين شمس إلى ما يقوله علماء النفس بـ: إن للموسيقى دور في حياة الكثير من الكائنات الحية, ومنها الإنسان, كما أنها تلعب دوراً في إقبال الحيوانات على الغذاء, وفي نمو النباتات, حيث كشفت الدراسات التي أجريت على الحيوانات التي تعرضت للضوضاء, وللموسيقى الصاخبة, أن بنية الدماغ لديها تغيرت, وثبت أن النباتات تكره الموسيقى الصاخبة, فنباتات اللبلاب التي تنمو في منازل تتردد فيها الألحان الموسيقية الهادئة تنمو وتنتعش بشكل أفضل من تلك الموجودة داخل بيوت يشغل أصحابها الموسيقى الصاخبة.
المصدر : جريدة العنكبوت الإلكترونية
--------------------------------------------------
مصدري انا اخذتها من :
http://arabmusicmagazine.com/index.php/2012-03-12-12-49-22/504-2015-05-02-09-26-26